ابن إدريس الحلي
526
السرائر
محمد رسول الله ، وأنه برئ من كل دين خالف الإسلام ، فإذا فعل هذا فقد صحت توبته ، وثبتت عدالته ، وقبلت شهادته ، ولا يعتبر بعد التوبة مدة يصلح فيها عمله ، لأنه إذا فعل هذا فقد أتى بضد المعصية . وأما إن كانت المعصية قذفا لم يخل من أحد أمرين ، إما أن يكون قذف سب ، أو قذف شهادة ، فإن كانت قذف سب ، فالتوبة هي إكذابه نفسه ، لما روي عن النبي عليه السلام في قوله " وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا " ( 1 ) قال النبي عليه السلام توبته إكذابه نفسه ( 2 ) فإذا تاب قبلت شهادته . فإذا ثبت أن التوبة إكذابه نفسه ، فاختلفوا في كيفيته ، قال قوم أن يقول القذف باطل حرام ، ولا أعود إلى ما قلت ، وقال بعضهم التوبة إكذابه نفسه وحقيقة ذلك أن يقول كذبت فيما قلت ، وروي ذلك في أخبارنا ( 3 ) والأول أقوى ، لأنه إذا قال كذبت فيما قلت ، ربما كان كاذبا في هذا ، لجواز أن يكون صادقا في الباطن ، وقد تعذر عليه تحقيقه ، فإذا قال القذف باطل حرام ، فقد أكذب نفسه ، وقوله لا أعود إلى ما قلت ، فهو ضد ما كان منه . فإذا ثبت صفة التوبة فهل تفتقر عدالته التي تقبل بها شهادته إلى صلاح العمل أم لا ؟ قال قوم مجرد التوبة يجزيه ، وقال قوم لا بد من صلاح العمل ، وهو الأقوى ، لقوله " إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا " ( 4 ) فمن قال لا يفتقر إلى صلاح العمل ، فلا كلام ، ومن قال يفتقر إليه ، فصلاح العمل مدة سنة على ما مضى هذا الكلام في قذف السب . وأما قذف الشهادة فهو أن يشهد بالزنا دون الأربعة ، فإنهم فسقة ، وقال قوم يحدون ، وقال آخرون لا يحدون ، فالتوبة هاهنا أن يقول قد ندمت على ما كان مني ،
--> ( 1 ) سورة النور ، الآية 5 . ( 2 ) تفسير الدر المنثور ، في تفسير سورة النور ، ج 5 ، ص 20 ، وفيه : " توبتهم إكذابهم أنفسهم ، فإن كذبوا أنفسهم قبلت شهادتهم " . ( 3 ) الوسائل : الباب 36 من أبواب الشهادات ، ح 1 - 4 - 5 . ( 4 ) سورة النور ، الآية 5 .